ابن خلكان

81

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وشرع في عمارة البلاد واستخراج الأموال من جهاتها ، وكان سلطانا عظيم القدر جميل الذكر محبا للعلماء متمسكا بالسنة النبوية حسن الاعتقاد معاشرا لأرباب الفضائل حازما في أموره ، لا يضع الشيء إلا في موضعه من غير إسراف ولا إقتار ؛ وكانت تبيت عنده كل ليلة جمعة جماعة من الفضلاء ، ويشاركهم في مباحثاتهم ، ويسألهم عن المواضع المشكلة من كل فن ، وهو معهم كواحد منهم ، وكان يعجبه هذان البيتان وينشدهما كثيرا ، وهما : ما كنت من قبل ملك قلبي * تصدّ عن مدنف حزين وإنما قد طمعت لما * حللت في موضع حصين وبنى بالقاهرة دار حديث ورتب لها وقفا جيدا ، وكان قد بنى على ضريح الإمام الشافعي ، رضي اللّه عنه ، قبة عظيمة ، ودفن أمه عنده ، وأجرى إليها من ماء النيل ، ومدده بعيد ، وغرم على ذلك جملة عظيمة . ولما مات أخوه الملك المعظم صاحب الشام - في التاريخ المذكور في ترجمته - وقام ولده الملك الناصر صلاح الدين داود مقامه ، خرج الملك الكامل من الديار المصرية قاصدا أخذ دمشق منه ، وجاءه أخوه الملك الأشرف مظفر الدين موسى - الآتي ذكره بعد هذا إن شاء اللّه تعالى - فاجتمعا على أخذ دمشق - بعد فصول جرت يطول شرحها - وملك دمشق في أول شعبان سنة ست وعشرين وستمائة ، وكان يوم الاثنين ، فلما ملكها دفعها إلى أخيه الملك الأشرف ، وأخذ عوضها من بلاد الشرق حران والرها وسروج والرقة ورأس عين ، وتوجه إليها بنفسه في تاسع شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة . واجتزت بحرّان في شوال سنة ست وعشرين وستمائة ، والملك الكامل مقيم بها بعساكر الديار المصرية ، وجلال الدين خوارزم شاه يوم ذاك يحاصر خلاط ، وكانت لأخيه الملك الأشرف ، ثم رجع إلى الديار المصرية . ثم تجهز « 1 » في جيش عظيم وقصد آمد في سنة تسع وعشرين وستمائة ، فأخذها مع حصن كيفا وتلك البلاد من الملك المسعود ركن الدين مودود بن الملك الصالح

--> ( 1 ) المختار : ثم تجهز من الديار المصرية .